submit

rss

فتن كقطع الليل المظلم

فتن كقطع الليل المظلم

الشيخ/ عبد الكريم بن عبد الله الخضير


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فلا يخفى على أحد ما تعيشه الأمة من فتن، وما تمر به من أحداث، أطلت عليها منذ سنوات، وجعلت كثيراً من الناس من عامتهم، بل من طلبة العلم فيهم، من يصاب بشيء من الحيرة والدهشة والتردد والتذبذب، مما جعل بعض الأخوة يرتلون ويُنزلون محاضرات ودورات،........ والذي يغشى مجالس الناس من العامة والخاصة يعرف قدر هذا الموضوع، فإن مجالسهم امتلأت بالقيل والقال، والتحليلات المبنية على أقوال فارغة لا تستند إلى نص من كتاب ولا سنة، تجد مصادر الناس في تقديم هذه الأمور وتقريرها وسائل الإعلام المختلفة، فمنهم من يقول: سمعت في الإذاعة الفلانية، ومنهم من يقول: سمعت المحلل الفلاني، في القناة الفلانية، ومنهم من يقول: قرأت في الصحيفة أو في جريدة كذا، وقلّ من يتصدى لهذا الأمر من أهل العلم الذين يعول عليه في تقويم هذه الأمور.
والمعول أولاً وأخراً في مثل هذه الأحوال على النصوص التي فيها المخرج من هذه الفتن.
عقدت دورات في شرح كتب الفتن، وهي موجودة ومتداولة من كتب السنة، وتولاها جمع من أهل العلم والفضل، ونفعت نفعاً عظيماً، وسرت في الناس ونورتهم وبصرتهم، ومن الجهود المباركة في هذا الباب مثل هذه المحاضرة التي عنوانها: " فتنٌ كقطع الليل المظلم".
وهذا العنوان جزء من حديث صحيح مخرج في صحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وجامع الإمام أبي عيسى الترمذي من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((بادروا، بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، ((بادروا، بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً)) هذا الأمر ومثل هذا الحديث يجعل الإنسان في خوف ووجل؛ لأن العواقب والخواتم أمرها بيد الله -جل وعلا-، فعلى المسلم أن يلهج دائماً بسؤال الله -جل وعلا- بحسن الخاتمة، والثبات على الدين، وأن يكون ديدنه ومعوله على كتاب الله وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-.
شخصٌ يُسأل عن ظاهرة وجدت في هذا العام، وهي شدة البرد، يعني نزلت الدرجة عن الصفر في كثير من مناطق المملكة، فيُسأل في وسيلة إعلام، وما رأيك، وما السبب؟ السبب لو قرأنا قول الله -جل وعلا-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ}
[سورة الروم :41]، بما كسبت أيدي الناس، ظهر الفساد، الكلام صحيح إلى هذا الحد، لكن كيف يفهم الآية، كيف فهم هذه الآية؟ قال: إن من الإفساد في الأرض انتزاع خيراتها، ومن ذلك استنزاف البترول، بطريقة غير معقولة، الذي هو يولد الدفء للأرض، هل هذا فهم مبني على أساس علمي شرعي؟ أبداً، هذا كلام من يهرف بما لا يعرف، وقد يكون له مآرب أو مقاصد من خلال هذا الكلام، الله أعلم، لكن هذا الكلام باطل، نعم الذنوب والمعاصي هي السبب بما كسبت أيدي الناس، ولولا أن الله -جل وعلا- يعفو عن كثير، لما ترك على ظهرها من دابة؛ لأن المعاصي والذنوب كثرت وعمت وطمت وشملت كافة المستويات وجميع الطبقات.
وفي حديث زينب في الصحيح في البخاري يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج هكذا...)) إلى أن قالت: أنهلِك وفينا الصالحون؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث)) الذي ينظر إلى البقاع بما فيها من بلاد المسلمين كثر فيها الخبث، كثر فيها الخبث، يعني لا ينكر أن هناك علماء ودعاة وقضاة وفضلاء يوجد الحمد لله الخير في أمة محمد إلى قيام الساعة، لكن لا ننكر أيضاً أن الخبث كثر، وأن السنن الإلهية لا تتغير ولا تتبدل.
نعود إلى الحديث الذي عنوان الدرس قطعة منه.
هذا الحديث كما ذكرنا مخرج في صحيح الإمام مسلم، ومسند الإمام أحمد، وجامع الإمام الترمذي، فما معناه؟
معنى ((بادروا)): أي سابقوا وسارعوا، وجاء الأمر بالمسابقة والمسارعة في كتاب الله -جل وعلا-، {سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ}
[سورة آل عمران:133]، سابقوا المقصود أن هذا الأمر جاء في نصوص الكتاب والسنة، والمبادرة المفاعلة، والمسابقة كذلك، والمسارعة، فتفيد أن الإنسان يسعى لسبق غيره في هذا الشأن؛ لأن صيغة المفاعلة عند أهل العلم تقتضي أكثر من طرف، يحرص الإنسان أن يسبق غيره، ولا يعني هذا أنه إذا سبق من قبل أحد أشد، من قبل أحد هو أشد حرصاً منه، أنه يكون في نفسه عليه شيء، أو يتمنى أن لا يسبق، عليه أن يحرص على هذه المبادرة، وعلى هذا السبق، وأن يتمنى للناس كلهم أن يكونوا على هذا المستوى؛ لأن بعض الناس يستشكل، يستشكل هذا الأمر، المسابقة، والمسارعة، والمبادرة، يعني والمنافسة، مع أنه جاء النهي عن المنافسة، المنافسة في أمور الدنيا، أما المنافسة في أمور الآخرة فهي مطلوبة من المسارعة والمسابقة، لكن كون الصيغة تقتضي أكثر من طرف قد يََفهم منها بعض الناس أنه يسعى لتحقيق المبادرة والمسارعة والمسابقة، ومن لازمه أن يتمنى أن لا يُسبق، من لازم ذلك أن يتمنى ألا يسبق، فإذا سبق من لازم ذلك أن يكون في نفسه شيء على هذا السابق، لا، لا يلزم ذلك، بل تتمنى للمسلمين وتحب لهم ما تحب لنفسك، لكن مع ذلك تسعى في إصلاح نفسك قبل غيرك، ثم بعد ذلك تسعى إلى إصلاح غيرك الأقرب فالأقرب.
((بالأعمال)): أي الاشتغال بالأعمال الصالحة، بادروا سابقوا بالأعمال المراد بها الأعمال الصالحة، الموصلة إلى مرضاة الله -جل وعلا-، الدافعة لما يكون سبباً لغضبه، ومقته وأخذه، لأن الله -جل وعلا- يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته، يأخذه أخذ عزيز مقتدر.
((فتناً)): أي وقوع فتن، والفتن جمع فتنة، يقول الراغب الأصفهاني في مفردات القرآن: أصل الفَتْن، أصل الفَتْن إدخال الذهب في النار، إدخال الذهب في النار لتظهر جودته، إذا عرض على النار فإن كان جيداً ظهرت جودته بزوال ما عليه مما يغطيه من أوساخ، وإن كان رديئاً ظهرت رداءته، فهذا هو المحك وهذا هو الاختبار للذهب، والفتن لا شك أنها محك، يختبر فيها الرجال، تختبر فيها سائر الأعمال، كثير من الناس يتحدث عن اليقين والصبر والاحتساب، وتجده يتكلم في هذا الموضوع، ويستحضر النصوص، ويؤثر في السامع، لكن إذا جاء المحك وحصل له ما يقتضي الصبر أو يقتضي اليقين، تجده صفر، صفر أي تجد الإنسان حينما يذهب ليعزي أحد عنده استعداد يصبرهم، عنده نصوص، وعنده استحضار، لكن إذا حصل له شيء من المصائب لا سيما ما يتعلق بالولد، هذا المحك، هذا المحك، وإلا كثير من الناس قد يتحمل مصيبة الوالد، مصيبة الوالدة، مصيبة القريب والبعيد، لكن مصيبة الولد الذي هو، الذي جبل على حبه حباً جبلياً، ولذلك لم يرد في النصوص من بر الأولاد والعناية بهم مثل ما ورد في بر الوالدين؛ لأن الوالدين محبتهما الجبلية، محبتهما شرعية، يجب على الولد أن يحبهما وأن يبرهما، لكن الجبلة في الغالب تكون للولد، وهو مجبنة مبخلة، تجد الإنسان قبل أن يأتيه الأولاد عنده استعداد أن يضحي بنفسه وبماله، لكن إذا جاء الولد يضيعون الأولاد، هؤلاء الصبية من لهم؟ لهم الذي خلقهم وتكفل بهم كما تكفل بك.
((فتناً)): يعني وقوع فتن والفتنة كما قال الراغب أصل الفَتْن إدخال الذهب في النار لتظهر جودته من رداءته، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، ويستعمل في إدخال الإنسان النار، {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}
[سورة البروج:10]، أي أدخلوهم في النار، في قصة أصحاب الأخدود، ويطلق أيضاً على العذاب {ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ} [سورة الذاريات:14] ، كما أنه يطلق على ما يحصل عنه العذاب يعني سبب العذاب، كقوله تعالى: {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [سورة التوبة:49]، {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [سورة التوبة:49]، {ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} [سورة التوبة:49]، يعني ذهابي إلى الغزو، إلى غزو بني الأصفر سبب لفتنتي فهو يقول: {ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي} وهذا يحتاج إلى وقفة؛ لأن بعض الناس يتذرع بمثل هذا الكلام ويترك بسببه ما أوجب الله عليه، نعم في المندوبات في المستحبات لك أن تنظر في الأرباح والخسائر، لكن ما أوجب الله عليك ليس فيه مثنوية، وذلك لما اعتذر بأنه إذا رأى بنات بني الأصفر لا يصبر وقد تعين عليه الجهاد ما عذر، وذُمَّ، لكن لو أراد أن يذهب إلى مكان لطلب علم أو عمرة مستحبة مثلاً، أو حج نفل، ويقول: إذا رأيت النساء لا أستطيع وقد أفتن، النفل أمر سهل، وعلى الإنسان أن يوازن بين الأرباح والخسائر، لكن في الفرض هل يمكن أن يقول: لا أستطيع أن أؤدي فريضة الإسلام، الحج، ركن من أركان الإسلام، يقول: أخشى أن أفتن؟ لا، مثل ترك هذا للجهاد، {أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ} [سورة التوبة:49]، لكن إذا أراد أن يعتمر مثلاً وقال: فيه والله، الحرم المسجد أشرف البقاع فيه من النساء المتبرجات ما لا أستطيع الصبر ولا أملك نفسي عن إرسال النظر أو عن بعض الخطرات، التي تخطر علي، نقول: انظر في أرباحك وخسائرك، كثير من الناس يذهب بحثاً عن الأجر ثم يعود مأزوراً، هنا انظر في سبب الفتنة، وانظر في الأرباح والخسائر مع أنك مأمور بجلب المصالح ودرء المفاسد، يعني جاهد نفسك، واذهب إلى حيث المصالح هناك، وجاهد نفسك عن درء المفاسد عنك بقدر الإمكان، لكن إذا لم تستطع فأمر التنفل واسع ليس مثل أمر الفرض.
يطلق أيضاًِ على الاختبار كما قال -جل وعلا-: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا}
[سورة طـه:40]، يعني اختبرناك اختباراً، هذا بالنسبة موسى -عليه السلام-، وما حصل عن نتيجة الاختبار، اصطفاه الله -جل وعلا-، ثبت في الاختبار وظهرت نتيجته المشرفة فاصطفاه الله -جل وعلا- فصار من جملة المصطفين.
وفيما يُدفع إليه الإنسان، وفيما يُدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهو في الشدة أظهر معناً وأكثر استعمالاً، يعني الإنسان يفتن ويبتلى بالسراء والضراء، يبتلى بالسراء، كما يبتلى بالضراء، يبتلى بالفقر ويبتلى بالغنى، ينظر هل يصبر إذا ابتلي بالضراء والفقر، أو يشكر إذا ابتلي بالسراء والغنى؟ فإن صبر صارت العاقبة الحميدة، وإن شكر في حال السراء صارت عاقبته حميدة والعلماء -كما هو معلوم- يختلفون في أيهما الأفضل، الغني الشاكر، أو الفقير الصابر، في كلام طويل لهم، لكن شيخ الإسلام –كما هو معلوم- يرجح أن المفاضلة إنما هي بالتقوى، فبقدر ما يكون الإنسان أتقى لله، سواءً كان غنياً أو فقيراً فهو أفضل من غيره، {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}
[سورة الحجرات:13]، وفيما يُدفع إليه الإنسان، وفيما يُدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهو في الشدة أظهر معناً وأكثر استعمالاً، كما قال -جل وعلا-: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [سورة الأنبياء:35]، {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [سورة الأنبياء:35]، ومنه قوله -جل وعلا-: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ} [سورة الإسراء:73] أي يوقعونك في بلية وشدة في صرفك عن العمل بما أوحي إليك، يسعون جاهدين لصرفك عما أوحى الله إليك، وقال أيضاً الراغب في مفردات القرآن: وهذا الكتاب يحتاجه كل طالب علم؛ لأنه أشبه ما يكون بالتفسير الموضوعي، يعني آيات الفتنة يجمعها في موضع واحد ويفسرها، يعني تريد، هل الترف محمود وإلا مذموم مثلاً، الذي يعيشه كثير من الناس الآن، هل هو محمود وإلا مذموم؟ انظر في مثل هذا الكتاب وتجد ما ورد في الترف من آيات ويفسرها، ما ورد في الإخبات، ما ورد في الخضوع مثلاً، ما ورد في جميع الموضوعات التي تطرق لها القرآن، موجود مجموع هذه الآيات كلها في موضع واحد ويتكلم عليها، وقال أيضاً: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله -جل وعلا-، ومن العبد تكون تصدر من الله -جل وعلا-، وتكون أيضاً من العبد، كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها، الله -جل وعلا- يقول: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [سورة الأنبياء:35]، يعني هذه صادرة من الله -جل وعلا-، وفي قوله -جل وعلا-: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ} [سورة البروج:10]، هذه صادرة من مخلوق، والله -جل وعلا- يقدر هذه الفتن وتكون على يد مخلوق، يكون تحقيق هذه الفتن على يد مخلوق، فيجتمعان في فتنة واحدة، الله -جل وعلا- يقدرها على من أراده من أراد أن يفتنه ثم يجريها على يد أحد من خلقه، وكونها تقدر كوناً لا يعني أنها تطلب شرعاً، يعني هذا الذي حصلت على يده هذه الفتنة يذم وإلا ما يذم؟ يذم بلا شك، يعني هذا الإنسان ارتكب معصية واستحق عقوبة على هذه المعصية، أجرى الله -جل وعلا- هذه العقوبة على يد مخلوق، هل يقال: إن هذا ارتكب معصية ولا في إشكال يصاب أو ما يصاب، والثاني قدر الله له أن يفعل كذا وهو بريء من هذه المعصية، لا، كل له ما يخصه من خطاب الشرع، هذا الإنسان ارتكب معصية، يتحمل، {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [سورة الشورى:30] هذا الذي حصل الانتقام بسببه مذموم؛ لأنه لم يؤذن له شرعاً لم يفعل، ينتقم من هذا الشخص، نعم من وكل إليه أمر الحدود وارتكب إنسان حداً من حدود الله، فأقامه عليه ولي الأمر أو من ينيبه، ولي الأمر محمود، بل لو عطله لصار مذموماً، لكن الكلام في عادي الناس يروح يبتلي إنسان في نفسه أو ماله أو بدنه، إذا قيل له، قال: يا أخي هذا مذنب {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} ما هو بأنت اللي تحاسبه وتعاقبه، ولذا يقول: الفتنة تكون من الأفعال الصادرة من الله تعالى، ومن العبد كالبلية والمصيبة والقتل والعذاب والمعصية وغيرها من المكروهات، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة؛ لأنه قد يقول قائل: الله -جل وعلا- يقول: {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا} [سورة طـه:40]، {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [سورة الأنبياء:35]، الفتنة مذمومة، والفتن تساق في كتب أهل العلم على أنها مذمومة، وفي النصوص مذمومة، كيف يَفتن الناس ثم يذمهم عليها، كما أنه قدر على هذا أن يطيع، وقدر على هذا أن يعصي، وركب فيه حرية الاختيار، يعني ما في إجبار، ما في إجبار، الشخص الذي يجلس في بيته، ويسمع الأذان، ويسمع الإقامة، ويسمع الإمام في المكبر يقرأ ويصلي ويسلم، وهو في بيته، هل يقول أحداً أن هذا لا يستطيع الذهاب إلى المسجد؛ لأنه مكتوب عليه، ما يستطيع، له اختيار، له حرية، يقف ثم يمشي ويذهب إلى المسجد ما في ما يمنع، دخلنا في مصالحه الدنيا، الدنيوية، قال: أنا والله مكتوب علي أني فقير، يجلس في بيته، أو يقول: مكتوب أني عقيم، لماذا أتزوج؟ ما يمكن يستدل بمثل هذه الأمور، لكن استدلاله على الأمور الشرعية بالقدر موروث من المشركين، {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [سورة الأنعام: 148]، وليس لأحد أن يحتج بالقدر، فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، الله -جل وعلا- ابتلى آدم بمنعه من الأكل من الشجرة، وزين له الشيطان، ووسوس له الشيطان، وأغراه فأكل من الشجرة، عصى، عصى آدم ربه، وأخرج بسبب ذلك من الجنة، حصلت المحاجة بين آدم وموسى - عليهما السلام -، فقال موسى لآدم: أنت آدم خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، أخرجت نفسك وذريتك من الجنة، فصار سبب في خروجه وخروج ولده من الجنة، بسبب المعصية، آدم رد عليه، أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، وكتب لك التوراة بيده، كم تجد هذه المعصية كتبت علي قبل أن أخلق؟ قال: بأربعين عاماً، قال: فحجَّ آدمُ موسى، يعني غلبه بالحجة، هل نقول: أنه غلبه بالحجة لأنه استدل بالقدر؟ كل واحد يعصي، يقول: والله مكتوب علي، لا، لا لأنه احتج بالقدر على المعصية، احتج بالقدر على المصيبة؛ لأن هذه المعصية لما تاب واجتباه الله -جل وعلا-، وهداه، نعم ما صارت معصية، المعصية إذا تاب منها الإنسان العاصي تُبدل حسنات، فذهب أثرها وبقي أثرها بقي أثرها من حيث الثواب والعقاب، وبقي أثرها المترتب عليها من إخراج نفسه وذريته من الجنة صارت مصيبة، وللإنسان أن يستدل بالمصائب، بالقدر على المصائب، قال: لماذا وراك سقطت يا أخي في الحفرة؟ يقول: شيء مكتوب علي، لكن لو ارتكب معصية وسقط في هذه الحفرة عمداً، ويغلب على ظنه أنه يتضرر، لا يجوز أن يحتج بالقدر؛ لأن هذه معصية، لكن المصيبة يحتج بها في القدر.
على كل حال يقول: فإن كانت من الله تعالى فهي على وجه الحكمة، وإن كانت من الإنسان بغير أمر الله فهي مذمومة، فهي مذمومة، كيف تكون هذه الفتنة من إنسان لإنسان بأمر الله -جل وعلا-، أُمر النبي -عليه الصلاة والسلام- وأمته تبعاً له أن يجاهدوا الكفار والمنافقين، وينزلوا بهم الضرر بسبب كفرهم لكنه بإذن من الله -جل وعلا-، لكن إذا كان هذا الابتلاء وهذا الافتتان من المخلوق للمخلوق غير مأذون به من الله -جل وعلا- فهو مذموم فقد ذم الله الإنسان بإيقاع الفتنة كقوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}
[سورة البقرة:191]، الفتنة أشد من القتل لماذا؟ لأن الفتنة تعرض الدين للزوال، والقتل يعرض الحياة للزوال، ولا مناسبة بين تعريض الدين الذي يترتب عليه تضييع الآخرة كلها، يعني يخلد في عذاب دائم في عذاب مستمر هذا الذي خسر، هذا ا لذي خسر بالفعل، أما من يخسر الدنيا وقد حفظ دينه وثُبِّت عليه هذا لا يأسف على شيء، {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [سورة الزمر:15]، أما خسارة الدنيا لا خسارة، لا تساوي شيء؛ لأن عمر الإنسان ستين سبعين ثمانين مائة سنة ينتهي، لكن أبد الآباد مخلد في جنة أو في نار، هذا الربح العظيم، أو الخسارة، هذه الكارثة التي لا يمكن تعوضها، ولذا يقول الله -جل وعلا-: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [سورة البقرة:191]، {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [سورة البقرة:191]، فقوله -جل وعلا-: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [سورة البروج:10]، هؤلاء فتنوهم بغير إذن من الله -جل وعلا- فهم فذمهم الله -جل وعلا-، {ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ} [سورة البروج:10]، نسأل الله العافية؛ لأنه بغير إذن، لكن لو حصل تحريق عند من يقول بجواز تحريق اللوطي مثلاً، هؤلاء فتنوا المؤمنين وحرقوهم؛ لأنهم آمنوا، ففتنوهم بغير إذن من الله -جل وعلا-، لكن لو حصل تحريق عند من يرى جواز التحريق للوطي هذا قول عند أهل العلم، وأقوال أهل العلم في المسألة كثيرة، لكن عند من يقول لو حرق مذموم وإلا مأذون به؟ مأذون به فلا يذم، هذا على القول، وإن كان المرجح أنه لا يعذب بالنار إلا الله -جل وعلا-.
الذي يفتن بعض الناس ويحصل له من غير ما يحصل بالتحريق، قتل مثلاً، فإن كان مأذوناً له فيه فهو ممدوح، وإن كان غير مأذون له فهو مذموم.
وقوله: {مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ}
[سورة الصافات:162]، وقوله: {بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ} [سورة القلم:6]، وقوله: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ} [سورة المائدة49]، الراغب يجمع كل الآيات الواردة في مكان واحد ويفسرها، وهذه ميزة هذا الكتاب كأنه تفسير موضوعي.
وقال غيره: أصل الفتنة الاختبار، ثم استعملت فيما أخرجته المحنة والاختبار إلى المكروه، يعني صارت النتيجة، نتيجة هذا الاختبار ليست حميدة، فيكون النهاية هي الفتنة، ثم أطلقت على كل مكروه فتنة، أو آيل إليه كالكفر والإثم، والتحريق، والفضيحة، والفجور وغير ذلك، هذا ما يتعلق بالفتنة ومعانيها.
((كقطع)):، كقطع بكسر القاف وفتح الطاء، بكسر القاف وفتح الطاء جمع قطعة، قطع جمع قطعة.
((الليل المظلم)): الليل المظلم، لفرط سوادها وظلمتها، تشبه بالليل المظلم؛ لأن بعض الليل فيه نور، يعني الليالي المقمرة فيها نور، أما الليالي أواخر الشهر أو أوائله فهي مظلمة، ((كقطع الليل)): المظلم لفرط سوادها وظلمتها وعدم تبين الصلاح والفساد، أنت إذا قابلك أحد في الليلة المظلمة أو عثرت على شيء، أو وقفت على شيء فإنك لا تميزه هل هو ضار أو نافع، ما تدري، هل هذا الشخص صالح يريد نفعك، أو فاسد يريد ضررك، ما تدري؛ لأنها مظلمة، وعدم تبين الصلاح والفساد منها، وفيه إيماء، يعني إشارة من بعد، إلى أن أهل هذه الفتن ما قال الله تعالى في حقهم:{كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا}
[سورة يونس:27]، لتناسب قطع الليل المظلم، وجوههم مظلمة، تناسب جداً قطع الليل المظلم؛ لأن في الحديث إيماء إلى هذه الآية، وحاصل المعنى، معنى الحديث: تعجلوا بالأعمال الصالحة بادروا بها تعجلوا بها، قبل مجيء الفتن المظلمة، قبل مجيء الفتن المظلمة، من القتل والنهب، والاختلاف بين المسلمين في أمر الدنيا والدين، فإنكم لا تطيقون الأعمال على وجه الكمال فيها.
الفتن أول ما تبدأ كالنار، شرارة تبدأ يسيرة، ثم يجر بعضها إلى بعض، حتى وجد في بعض البلاد من يحاسب إذا وجد النور قرب صلاة الصبح في بيته، ووجد في بعض البلاد من يفحص فحصاً دورياً على ركب بعض الفئات هل يصلون أو لا يصلون، - نسأل الله السلامة والعافية -، يعني كيف يخطر على بال أن مثل هذا يوجد، إلا أنها الفتن، يعني جر بعضها إلى بعض، بدأت صغيرة ثم استشرت، يعني كنا في السابق يعني المساجد أبوابها مفتوحة ليل نهار؛ لأنه لن يدخلها إلا شخص يريد أن يتعبد فوجد الإفساد مثلاً في المساجد، وجد من يمزق المصاحف، وجد من يبول، وجد من يكتب كتابات كفرية، فاقتضى النظر عند ولاة الأمر أن يصدر التوجيه بإغلاق المساجد، الأصل أن المساجد مفتوحة.
كان المسجد في عهده -عليه الصلاة والسلام- مفتوحاً –كما في صحيح البخاري- والكلاب تغدو وتروح، تغدو وتروح، لكن ما الذي جعل الولاة يوصون بإغلاق المساجد، نعم، وإغلاق دورات المياه؟ لوجود الإفساد فيها، فوجد من يبول على المصاحف، وجد من يكتب في المحراب كلمات كفرية، فاقتضى التوجيه أن تغلق، لكن يبقى أن من كان عليه علامات صلاح، وأراد أن يتعبد بما أمر به من البقاء والمكث في المسجد بعد صلاة الصبح أو غيره من الصلوات، هذا ينبغي أن يسهل له الأمر، ويكون أيضاً المسجد من ضمانه، إذا لم يوجد حارس يحرس المسجد، فأقول: مثل هذه الأمور ما الذي جرّ عليها؟ جر عليها وجود الفتن، وبمبدئها كالشرار إلى أن زاد الأمر إلى حد قد يزداد الأمر عن ذلك إذا زادت هذه الفتن كما في بعض البلاد، يعني من الذي يدعو إلى إغلاق دورات المياه، وجد آثار معاصي، وجد آثار معاصي، فلن تسهل هذه المعاصي بفتح مثل هذه الأمور، الأصل إنما هي وضعت لنفع الناس، فإذا استغلت فيما يضر تغلق؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وليس معنى هذا أننا نضيق على العُبَّاد وأننا نخرجهم، لا، لا أبداً، يعني من ظهرت عليه علامات الصدق يمكن من المسجد ولا يجوز إخراجه بحال، لكن مع ذلك يحتاط للمسجد فإما أن يكون فيه حارس يحرسه من العابثين حتى يغلق، أو يكون من ضمان هذا الذي بقي، يقول له: اقفل الباب، وإلا يأخذ مفتاح ويتصرف.
على كل حال مثل هذه الأمور شرارة، تبدأ ثم بعد ذلك يزيد الأمر إلى أن يحصل ما لا يخطر على البال، يعني إذا وجد الكهرب النور، وشغال في آخر الليل يحاسب، يستدعى من قبل الجهات ويحاسب، في بعض البلاد، فمتى وصلوا إلى هذا الحد؟ إلا ما قبله مراحل مر بها يسيرة ثم زاد، ثم زادت إلى أن، والواقي هو الله -جل وعلا-، وأسباب البشر مهما عظمت ومهما قويت وتعددت وانتشرت فلن تفيد إذا لم يرد الله -جل وعلا- النفع.
((كقطع الليل)): المراد من التشبيه بيان حال الفتن من حيث أنه بشيع فضيع، بشيع فضيع، يعني هل يقول قائل: إن الظلام أ فضل من النور؟ الغلس الشديد الذي لا ترى فيه يدك هل يستطيع أن يقول أحد أنه أفضل من الشمس في رابعة النهار؟ لا يمكن أن يقولها إلا بالنسبة للنوم، النوم الظلام أفضل، لكن يبقى أنه بالنسبة لرعاية مصالح العباد، ومعايشهم لا بد من النور.
والمراد من التشبيه بيان حال الفتن من حيث إنه بشيع فضيع ولا يعرف سببها، ولا طريق الخلاص منها، ولا يعرف سببها، ولا طريق الخلاص منها، فالمبادرة المسارعة بإدراك الشيء قبل فواته، قبل فواته، أو بدفعه قبل وقوعه، يعني المبادرة قبل فوات الأمر أمر لا بد منه، أو إن أمكن الدفع قبل الوقوع فهذا أولى، لكن إذا وقعت لا بد من التسبب في رفعها.
((يصبح الرجل)): ومثله المرأة؛ لأن النساء شقائق الرجال، والحكم واحد، والمرأة تدخل في خطاب الرجل في كثير من النصوص، ما لم يدل الدليل على تخصيصها.
((يصبح الرجل))، ومثله المرأة ((مؤمناً)): أي موصوفاً بأصل الإيمان أو كماله، المقصود أن أصل الإيمان موجود، يصح أن يطلق عليه مؤمن.
((يصبح الرجل ويمسي كافراً)): ويمسي كافراً أي حقيقة يعني يخرج من الدين بالكلية، أو يكفر كفراً أصغر، أو كفر نعمة، أو يتشبه بالكفار فيعمل عملهم من قتل ونهب وسلب؛ لأن الأصل أن هذا ليس من أخلاق المؤمنين، أو مشابهاً للكفار، أو فاعلاً أفعالهم بإهدار دماء المسلمين، وأموالهم، وأعراضهم.
((ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً)): مثله، وقال بعض أهل العلم أن المعنى: يصبح محرماً ما حرمه الله -جل وعلا-، ويمسي مستحلاً إياه، وبالعكس؛ لأن استحلال الحرام المتفق عليه المعلوم من الدين بالضرورة، أو تحريم الحلال المعلوم من الدين بالضرورة، هذا -نسأل الله العافية- كفر ردة، يعني حينما يحاول بعض الناس أن يجعل مخرج لبعض فئات الكفار أن لهم نصيب من الجنة، يعني الآن في بعض الوسائل يروج أن اليهود والنصارى مؤمنين، يشاركوننا في الإيمان بالله، فلهم نصيبهم، ووجد من يترحم عليهم، وأهل العلم يقولون: هم كفار بالإجماع، ومن شك في كفرهم كفر إجماعاً، يعني يوجد في الوسائل من يروج لمثل هذا، ولذلك يقولون: ((ويمسي مؤمناً، ويصبح كافراً)) قيل: المعنى يصبح محرماً ما حرمه الله، ويمسي مستحلاً إياه، وبالعكس، يعني الأمور المختلف فيها والراجح مثلاً تحريمها نسمع كثيراً من يحللها، الأمور المختلف فيها والراجح حلها نسمع من يحرمها، لكن الإشكال في ما يخرج به من الدين بالكلية، ما يكفر به، وهو تحليل الحرام المجمع عليه، أو تحريم الحلال المجمع عليه.
الحاصل من ذلك التذبذب في أمر الدين، والتتبع لأمر الدنيا، حاصل ذلك التذبذب في أمر الدين، والتتبع لأمر الدنيا، كما بينه بقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((يبيع)) أي الرجل، أو ((أحدهم)) كما في بعض الروايات: ((دينه)) يبيع دينه، يترك دينه ((بعرض من الدنيا))، أي بأخذ متاع دنيء وثمن رديء من الدنيا، وبعض الروايات قليل، بعرض قليل، وقد جاء استثناء، وقد جاء استثناء ((من أحياه الله بالعلم)) عند ابن ماجه والطبراني، طيب، يبيع دينه بعرض قليل يسير قد يقول قائل يفترض أن هذا الذي يتصدى لتعليم الناس وإفتائهم، نعم أعطي ثمناً كثيراً يعني هل مفهوم أن الذم لمن أخذ قليل؟ نعم، افترض أن هذا قيل له: هذا مليون وأفتي بكذا، يقول: والله الحديث بعرض قليل، وهذا كثير، يعني يستحق الإنسان أن يضحي، نعم ألا يدري مثل هذا أن ((ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها)) الدنيا كلها شيء لا شيء بالنسبة للآخرة، لو أعطي الإنسان مليار ما عادل ركعتي الفجر، فكيف يقول مفهوم الحديث قليل، وإذا وجد كثير يمكن ألا يدخل، لا، لا أبداً.
جاء استثناء من أحياه الله بالعلم، ((إلا من أحياه الله بالعلم))، وهذا عند ابن ماجه والطبراني في مثل هؤلاء الذين أحياهم الله بالعلم، ونور بصائرهم وثبتهم على دينه، وجعلهم من الراسخين، هؤلاء تمر الفتن ولا تضرهم، تمر هذه الفتن التي تموج ولا تضرهم؛ لأن الله -جل وعلا- يثبتهم.
وجاء عند الترمذي: ((تكون بين يدي الساعة)) بين يدي -يعني قبلها-، ومن أشراطها فتن، والتنكير للتعظيم، يعني فتن عظيمة، عظام ومحن جسام، كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها يعني في تلك الفتن، والظاهر أن المراد بالإصباح –كما يقول أهل العلم- الإصباح والإمساء تقلب الناس فيها، تقلب الناس فيها وقتاً دون وقت، لا بخصوص الزمانين، يعني لا أنه، لا يلزم منه أن يكون بيوم واحد يتغير، هو في الصباح مسلم، وفي المساء كافر، إنما بالتدريج، لكن الكلام على الحكم عليه وهو في هذا الوقت مؤمن بعده في وقت يليه كافر، المفترض أن أنه شخص مؤمن في أول النهار وكافر في آخره، ما يدخل في الحديث؛ لأنه ما أمسى؟ أو العكس في أول الليل مؤمن، وفي آخره كافر، نعم، ليس المراد حقيقة الإصباح والإمساء، وإنما يراد به التقلب في الأوقات، تقلب الناس فيها وقتاً دون وقت، لا بخصوص الزمانين، فكأنه كناية عن تردد أحوالهم وتذبذب أقوالهم، وتنوع أفعالهم من عهد ونقض، يبرم عهد، والله -جل وعلا- يقول: {أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}
[سورة المائدة:1]، ثم ينقض، ويعاهد ويغدر، من عهد ونقض، وأمانة وخيانة، ((وإذا أؤتمن خان)) هذا من، من أوصاف المنافقين –نسأل الله العافية- ومعروف ومنكر، وسنة وبدعة، وإيمان وكفر، هذا التذبذب يحصل، وظهر كثيراً في هذه الأيام، تجد الإنسان ما أعلمه، ما أحلمه، ما أعقله، ثم بعد ذلك يخرج بشيء لا يخطر على القلوب، نسأل الله الثبات، أو العكس.
المقصود أن مثل هذه الأمور من سمات، أي أوقات الفتن، أوقات الفتن.
((بعرض من الدنيا)) أي بقليل من حطامها، والعرض ما عرض لك من منافع.
((القاعد غير من القائم))، ((القاعد غير من القائم))، وهذا جاء في الصحيح، في صحيح البخاري، ((والماشي فيه خير من الساعي)) يعني القاعد خير من القائم، والقائم خير من الماشي والماشي خير من الساعي، يعني المسرع إلى هذه الفتن، المقصود أن التباعد خير في أي مرتبة، التباعد من الفتن خير، الفتن في وسط، في مكان ما، من قرب منها هو المذموم، وكل ما أبعد عنها الإنسان فهو الممدوح، يعني الشخص القاعد، القاعد لا يرى شيئاً، فهو معصوم من هذه الحيثية، القاعد لا يرى أمامه شيء، لكن القائم الفتنة إليه أسرع من الفتنة إلى القاعد؛ لأنه إذا نظر أمامه وجد ما يستهويه وما يغريه، فيذهب فيمشي، ثم بعد ذلك إذ بالناس يتهافتون عليه بسرعة فيسرع، ويتأثر بها، لكن لو وجد فتنة ووجد قاعد، ووجد شخص قائم، وجد قاعد يقول: أنا ما لي دعوة بالناس، علي بنفسي، طيب في مشكلة هناك وما عليه من أحد، وواحد قائم ينظر ويتأمل من أجل إيش؟ من أجل أن يسعى في حلها أو في تخفيفها، ثم يجد ماشي يمشي إلى ذلك، وجد من يسعى هرولة، من أجل إيش؟ المشاركة في حل هذه الفتنة، وفي فضح هذه الفتنة، أيهم أفضل؟ الساعي، ثم الماشي، ثم القائم ثم القاعد، يعني المسألة إيش؟ مبناها على هذه الفتن، والتأثر بها سلباً أو إيجاباً، لكن الغالب في أيام الفتن وأيام الاضطراب أنها تؤثر سلباً في كثير من في عموم الناس، لكن يبقى أن بعضهم يمكن أن يؤثر فيها إيجاباً فمثل هذا مشاركته في حلها أي للحكمة وهو الممدوح.
((من تشرف لها تستشرفه))، من تشرف لها تستشرفه؛ لأن من العصمة ألا تسمع عن هذه الفتنة، ومن العصمة أيضاً ألا تمشي إليها، ومن العصمة ألا تسعى إليها، لا سيما إذا كنت ليست لديك القدرة في التأثير، كثير من الناس قابل للتأثر، وبعضهم فيه تأثير، وبعضهم سجال، قد يتأثر فيها وقد يؤثر، فمثل هؤلاء كل له حكمه كما سيأتي في حكم العزلة والخلطة، ((من تشرف لها تستشرفه))، تستهويه، أخبار غريبة، أخبار جديدة، يسمع أشياء؛ لأن الناس في الغالب يَمَلون الركود، تجد مثلاً عشرين ثلاثين سنة الناس راكدين على حال واحد، ثم يوجد فتنة تموج في الناس تجد الناس كلهم حولها، زرافات ووحدان، تستشرفهم.
المقصود أن مثل هذه الأمور التي فيها تغيير للمجتمع أو تساهم في تغيير هذه، تستشرف كثير، وتستهويهم، ((تستشرفهم، فمن وجد منها ملجأ أو معاذاً فليعذ به)) يعني ما يكفي أن يكون قاعد، إنما يذهب وينصرف في الاتجاه المعاكس ليجد ما يحميه ويقيه من هذه الفتنة، ((فمن وجد منها ملجأ أو معاذاً فليعذ به))، طيب.
المخرج من الفتن، وجدت الفتن، وجدت الفتن، والآن تموج من حولنا، والناس يتخطفون من حولنا، ونحن نعيش في أمن ورخاء ورغد ولله الحمد والمنة، نسأل الله -جل وعلا- أن يديم هذا بتوفيقنا لرضاه.
المخرج: الاعتصام بكتاب الله -جل وعلا- والعمل بسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-، وقد جاء في الحديث: ((تكون فتن)) قيل: يا رسول الله فما المخرج منها: قال: ((كتاب الله)) فعلى المسلم الذي يحسن القراءة أن يكون ديدنه تلاوة كتاب الله، قراءة القرآن، في كل وقت، هذا فيه مخرج من الفتن، وفيه أيضاً بكل حرف عشر حسنات، يعني تجلس بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس أسبوع وتختم القرآن، ساعة، تختم القرآن في أسبوع، ثلاثة ملايين حسنة، ومع ذلك العصمة في كتاب الله، فمن يفرط في مثل هذا؟ ما يفرط إلا محروم، نسأل الله السلامة والعافية، يعني في وقت قصير ولا يعوقك عن تحصيل أي مصلحة، لا دين ولا دنيا، ومع ذلك تجد الذين يجلسون انتظاراً لارتفاع الشمس قلة، ونراهم في بلادنا، بلاد الخير والفضل، أقل من القليل، بل كثير من المساجد ما يجلس أحد، ما يجلس أحد، ذهبنا إلى بعض المناطق، مناطق المملكة التي في عرف كثير من الناس محل ازدراء، ليست محل، يعني ما هي بمحل التزام واستقامة، وفيها طوائف مبتدعة، وفيها اختلاط وكذا، وجلس بعد صلاة الصبح صفان إلى أن ارتفعت الشمس، ومظاهرهم ليست من مظاهر الاستقامة والالتزام، فالزهد في مثل هذه الأمور التي جاء الحث عليها لا شك أنه خذلان، يعني ما الذي يمنع أن يجلس طلاب العلم، يجلس عامة المسلمين، كبار السن، خيار الناس، بعد صلاة الصبح إلى أن تنتشر الشمس لمدة ساعة، ويقرأ القرآن، أسبوع ثلاثة ملايين حسنة، ويعصم من الشيطان، يعصم من الدجال، الإنسان في، غني عن العصمة من الفتن؟ المخرج في كتاب الله، العمل بسنة النبي -عليه الصلاة والسلام- ((عليكم بسنتي))، والذي لا يعمل بالسنة لا بد وأن يبتلى ببدعة، لا بد أن يبتلى ببدعة، عليه أيضاً أن يلزم العبادة، في أوقات الفتن ففيها مخرج، وفي الحديث الصحيح: ((العبادة في الهرج كهجرة إلي))، ((العبادة في الهرج كهجرة إلي)) فعلى الإنسان أن يلزم هذه العبادة.
الفرائض عليه أن يسعى في تكميلها، يعني إذا كان يعقل منها النصف أو الربع، أو الثلث يسعى أن يعقل جميع هذه الفرائض؛ لأنه ما تقرب بشيء أحب إلى الله مما افترض عليه، ثم بعد ذلك يسعى فيما يسد الخلل من الإكثار من النوافل من جنس هذه العبادة، يكثر من نوافل الصلاة، يكثر من نوافل الصيام، من نوافل الحج والعمرة، ((العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما)) الأذكار التي لا تكلف الإنسان شيئا،ً ورتب عليها الأجور العظيمة، إبراهيم -عليه السلام- يقول للنبي -عليه الصلاة والسلام-: ((يا محمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان، غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر)) تجد الإنسان يغرس الشجرة، أو يغرس النخلة، ويتكلف عليها المبالغ والجهود، وخمس سنوات أو ست ما تثمر، سبحان الله غرس شجرة في الجنة، الحمد لله غرس شجرة في الجنة، وهكذا، ما الذي يعجز عن أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهي الباقيات الصالحات، {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ}
[سورة الكهف:46]، يعني أفضل من المال ومن البنين، وهي لا تكلف شيء، وأنت جالس، وأنت قائم، ماشي، مضطجع، في نور، في ظلام، على أي حال تذكر الله، سبحان الله وبحمده في دقيقه ونصف مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر، يعني الذي يلهج بذكر الله، هل يخذل في وقت الفتن إذا كان ذلك من أخلاص واستحضار لهذه الأذكار؟ لن يخذل بإذن الله، وجاءت الأحاديث الكثيرة في الذكر والذاكرين، ((سبق المفردون، الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)) وللذكر أكثر من مائة فائدة، ذكرها ابن القيم -رحمه الله- تعالى في أول الوابل الصيب في الكلم الطيب، الوابل الصيب من الكلم الطيب، فالعبادة في وقت الفتن وقت الهرج الذي هو: القتل بلسان الحبشة، لا شك أنه فيه مخرج عظيم وتوفيق من الله -جل وعلا- للخروج من هذه الفتن.
لزوم جماعة المسلمين، يعني إذا وجدت هذه الفتن، ووجد القتل على الإنسان أن يلزم جماعة المسلمين.
أيضاً يكثر الاستعاذة بالله -جل وعلا- من هذه الفتن، يكثر الاستعاذة بالله -جل وعلا- من هذه الفتن، عله أن يوافق ساعة استجابة فيعصم منها، يعني موقف العلماء وطلاب العلم في أيام الفتن، عليهم أن يبصروا الناس، ويثبتوهم، ويربطوا على قلوبهم، ويبينوا لهم ما جاء في ذلك من نصوص، ولا يجعلونهم يتخبطون ويتبعون كل ناعق يتكلم ممن له شأن، ومن لا شأن له.
اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك.
في الحديث الصحيح عند الإمام البخاري وغيره من قوله -عليه الصلاة والسلام-: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم أو خير مال المسلم غنم أو غنماً يتبع فيها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن، يفر بدينه من الفتن))، ((يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع فيها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن)).
إذا وجدت الفتن تلاطمت وعجز الإنسان عن حماية نفسه ومن تحت يده، فضلاً عن أن يكون مؤثراً في غيره، وخشي على نفسه أن يتأثر ينطبق عليه هذا الحديث، يفر بدينه من الفتن ويعتزل الناس؛ لأن مثل هذا الحديث، لا شك أنه في وقت الفتن التي لا يدرى وجه الصواب فيها، ممن يخشى أن يتأثر ولا يطمع من نفسه ولا يؤنس من نفسه أو يغلب على ظنه أنه يؤثر، أما الشخص الذي يؤثر في غيره فلا شك أن الصبر على مخالطة الناس، و تحمل أذاهم، وبذل الجهد في نفعهم، هذا هو المتعين، أما من كان لا أثر له في الناس، ويخشى على نفسه أو على ولده من هذه الفتن، فإنه ينطبق عليه هذا الحديث ويفر بدينه من الفتن، فالعزلة والخلطة يبحثها أهل العلم، وقديماً ألف في العزلة، وأبو سليمان الخطابي في القرن الرابع له كتاب من أنفع الكتب في فضل العزلة.
هناك عزلة كلية، وهناك عزلة جزئية، عزلة جزئية في بعض الأوقات دون بعض، يعني يصلي مع الناس الجماعة، ويشهد الجمع والأعياد، ويحضر المناسبات الشرعية، لكنه لا يكثر الاختلاط بالناس؛ لأن كثرة الخلطة بالناس لا شك أن أثرها على القلب ظاهر، وإن كان هذا يتفاوت بتفاوت الناس، بعض الناس وجوده في المحافل والمجالس خير، يسعى جاهداً في نفع الناس، وبعض الناس سلبي لا خير ولا شر، وبعض الناس وجوده ضرر، لكن في الجملة الخلطة كثرتها مع الناس لا بد أن يكون لها أثر على القلب؛ لأن هذه الخطرات التي تخطر على القلوب في أوقات الضيق، يعني شخص يسمع في صلاة التهجد في ليالي العشر مثلاً وهو ساجد يضحك، لماذا ضحك؟، هل لأنه قام من فراشه واتبع الخطوات الشرعية إلى مجيئه إلى المسجد، وصلى مع المسلمين؟، أو لأنه جاء من مجلس فيه قيل وقال ونكت وكذا؟ لأن بعض الناس مبتلى بصحبة هؤلاء، أو يكون يساهم فيها، في النكت، ثم تأتيه في وقت لا يستطيع دفعها، وهو في أحوج الأوقات، وهو من أحوج، في أحوج الأوقات إلى قلبه، يحتاج لاستحضار قلبه ليدعو مع حضور القلب ويستجاب ليؤدي العبادة على الوجه المطلوب، تجد مثلاً الذي ابتلي بالنكت تجده يضحك، الذي ابتلي بالتقليد تجده يقلد في أوقات الضيق في عشية عرفة يقلد، الذي ابتلي بالغيبة والنميمة تجده في هذا الموطن العظيم يغتاب لا يستطيع أن يملك نفسه، فعلى الإنسان أن يقلل من الخلطة بقدر الإمكان على ألا يترك الواجبات، ولا يقصر في الحقوق؛ لأن من وسائل حفظ القلب الفضول كما يقول ابن القيم، فضول الطعام، فضول النوم، فضول الأكل، -اللي هو الطعام-، فضول الكلام، فضول النظر، فضول الخلطة كل هذه مؤثرة؛ لأنها كلها منافذ تصب في القلب، تجد الإنسان يفتح المصحف ويقرأ لمدة ساعة ما يدري ويش قرأ، قيل وقال، وذهب وراح، وجاء، وفي الصلاة ثم يخرج منها كما دخل.
القصة اللي ذكرناها مراراً شخص تقدم إلى المسجد وصار بجوار المؤذن، قرأ من القرآن ما قرأ حتى جاءت الإقامة، لما كبر الإمام كبر معه، يقول: فنظرت إلى المسجد فإذا المسجد كبير ونظيف، لكن ما فيه منبر، قلت: أكيد أن هذا مسجد فروض ما هو بجامع، ويصلي، لكن لا بد يصير جامع هذا ما في أفضل منه، لكن المشكلة المنبر وين، فإذا بجوار المحراب غرفة قلت: سهل، هذه تصلح تسقف مع النصف وتصير منبر ويش المانع، وهو يصلي، فتح الغرفة فإذا فيها أثاث، يقول: ما انتهيت من نقل الأثاث إلا مع السلام، ما الذي جعل هذه الخطرات تخطر له في هذا الوقت؟ إلا لأن وقته معمور بالقيل والقال، وإلا لو حفظ نفسه لحفظ، تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، فالخلطة هذا أثرها، والعزلة لا شك أن فيها نفع عظيم لا سيما في أوقات الفتن التي لا يستطاع رفعها ولا دفعها، ويخشى من تأثر الإنسان بها، فإذا كان الإنسان من النوع المؤثر هذا لا يجوز له أن يعتزل بل لا بد أن يخالط الناس ويؤثر فيهم، ويسعى في تخفيف هذه الفتن، إذا كان يتأثر ولا يؤثر مثل هذا مع وجود هذه المنكرات، مع وجود هذه الفتن عليه أن يعتزل، والشراح شراح البخاري وغيره، يقولون: المتعين في هذه الأزمان العزلة، الشراح بعضهم في الثامن، وبعضهم في التاسع، يعني من سبعمائة سنة، أو ستمائة سنة، وخمسمائة سنة، يقولون: المتعين العزلة؛ لعدم خلو المحافل من المنكرات، يقولون هذا قبل الانفتاح وقبل الدشوش، وقبل اختلاط المسلمين بغيرهم، وقبل العادات الوافدة من الكفار، يقولون: متعين عزلة، إحنا أدركنا الناس قبل ثلاثين سنة يختلف وضعهم اختلاف جذري، قبل انفتاح الدنيا، فكيف بقبل خمسمائة ستمائة سنة، على كل حال مثل هذه الأمور إنما تقدر بحسب اختلاف الناس والأحوال والظروف والحاجة إلى الإنسان وما يترتب على ذلك من فعل واجبات، أو ترك واجبات، وتضييع حقوق، لأنه يوجد في هذه الأوقات ولله الحمد من يؤدي الحقوق وزيادة، تجدوه في الدوام من الثامنة إلى الثانية، وتجده إذا خرج يذهب إلى المسجد الذي يصلى فيه على الجنائز، ثم بعد ذلك يتبع الجنازة إلى المقبرة، ثم يعود إلى بيته يجيب على أسئلة مثلاً، ويأنس بأولاده ويؤنسهم ثم إذا صلى المغرب تجد عنده درس مثلاً، يا طالب، يا معلم، أو متعلم، وبعد العشاء تجده يونس أهله وأصحابه أو درس ثاني، أو يزور أخ في الله ثم بعد ذلك ينام، ويتجهز لليوم الثاني وهكذا، خير عظيم مثل هذا البرنامج، لكن بعض الناس إن راح إلى الوظيفة ضيع، ضيع الوظيفة، وضيع غيره بسببه، وما سلم الناس منه، وإذا جاءه مراجع نهره وزجره، وإذا التقى بزميل وإلا كذا حمله من أعماله، وخرج إلى يمين ويسار، وضيع الدوام، وضيع نفسه وضيع غيره، وإذا خرج من دوامه ما وفق لأعمال صالحة، تجد أوقاته معمورة بما لا ينفع، بل بما يضر، فالناس أجناس، والوقت لا زالت البركة موجودة، لا زالت البركة موجودة، الذي يقول: إن البركة ذهبت هذا ليس بصحيح، وإذا أراد أن يجرب بركة الوقت يجلس بعد صلاة العشاء خمس ساعات في الشتاء، لا يخرج يمين ولا يسار، يشوف بركة الوقت، كيف ينجز إذا جلس، أو يجلس بعد صلاة الصبح في الصيف إلى العاشرة ينتج فيه ما ينتجه غيره في عشرة أيام من المضيعين، فالوقت إذا حفظ وسعى الإنسان في أسباب حفظ الوقت فإن الله -جل وعلا- يبارك له فيه.
قد يقول قائل: لماذا ابتلينا بهذه الفتن، ولماذا كان الناس قبلنا ما فتنوا أو الفتن عندهم أقل أو كذا؟ جاء الحديث الصحيح: ((لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم)) ((لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم))، طيب ماذا يصنع؟ أنت جئت في الزمان المتأخر، وزمان الفتن؟ عليك أن تبذل ما في وسعك، وإذا علم الله منك صدق النية أعانك في عدم التأثر بل التأثير، وإذا عملت وعبدت الله -جل وعلا- في هذه الأوقات فأبشر، تمسكت بالسنة فلك أجر خمسين من الصحابة، أجر خمسين من الصحابة، يعني الذي يحصل له مثل هذا الوعد هل يتمنى أنه في زمان سابق؟ لكن يبقى أن أجر الصحبة وشرف الصحبة لن يناله أحد كائناً من كان، يبقى شرف الصحبة وفضل الصحبة وأجر الصحبة، على، ما يدخل في المفاضلة، لكن الأعمال الأخرى، العامل في أوقات الفتن وأيام المحن، عند فساد الزمان وأهله، لا شك أنه كما جاء في الحديث الذي حسنه جمع من أهل العلم أن له أجر خمسين، قالوا: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال:((بل منكم)). فالإنسان لا يضيق صدره لوجود هذه الفتن، وجود هذه المعاصي، وجود هذه المنكرات، لا يضيق صدره، عليه أن يسعى في الإصلاح بقدر الإمكان وأن يتجه إلى الله -جل وعلا- بقلبه وقالبه، وأن يكثر من تلاوة القرآن والأذكار ونوافل العبادات، وحينئذ يكون له أجر خمسين من الصحابة.
يقول قائل مثلاً: أبتلينا بكثرة هذه الفتن، ابتلينا بالمعارضين، ابتلينا بالمخالفين، ابتلينا بمن يتكلم في الأخيار، لماذا؟ لتعظم الأجور، وتعظم الأوزار، أنت وجدت في هذا الزمن ليعظم أجرك إذا عملت، وإذا خالفت يعظم ذنبك، هناك فتن لكنها غير مؤثرة تأثير الفتن العامة التي يصبح فيها الرجل مؤمن ويمسي كافر، فتنة الرجل في أهله وماله جاء في الحديث أنها تكفرها الصلاة والصيام، إذا افتتن، يغش معنى يفتتن؟ ينشغل بهم، مثل هذه الفتنة تكفرها الصلاة والصيام لكن الإشكال في الفتن العظيمة، التي تموج وتترك الناس حيرى، هذه هي الفتن التي على المسلم أن يسعى في درءها ورفعها ويأخذ بكافة الاحتياطات ألا يقع فيها، ولا تقوم الساعة كما في الحديث الصحيح حتى يغبط أهل القبور، هذه في أوقات الفتن المدلهمة التي لا يستطيع الإنسان فيها أن يخرج منها سالماً، هذا يتمنى، ولذلك أجازوا تمني الموت في زمن الفتن، جاء النهي عن تمني الموت، النهي عن تمني الموت: ((لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به)) لكن جاء أنه في آخر الزمان يأتي إلى صاحب القبر ويقول: يا ليتني مكانك، ((ولا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور)) لماذا؟ لأن الضرر محقق بالبقاء، فالإنسان يخشى على دينه فالموت وزوال الدنيا أسهل بكثير من أن يعرض الدين للخطر، فإذا وصل الحد إلى هذا الأمر جاز للإنسان أن يتمنى خشيةً على دينه في أوقات الفتن التي قد لا يتميز فيها الحق فيتبع، أو لا يوفق الإنسان، أو يحال دونه ودون اتباع الحق، فمثل هذا لا تقوم الساعة حتى يغبط أهل القبور، ويتمنى الإنسان الموت وتمناه بعض الصحابة لما حصل بعض الفتن، وما زال الأخيار إذا حصل ما حصل وهذا مستثنى من النهي عن تمني الموت؛ لأن النهي عن تمني الموت بسبب ضر أصابه في دنياه، يعني خسر خسارة كارثة فادحة، أو صار عليه حادث، أو انكسر، أو كذا يتمنى الموت؟ هذا لا يجوز له أن يتمنى الموت، لكن إذا كان لا يعرف هل بقاءه مصلحة أو لا؟ يقول: اللهم أحيني ما كانت الحياة خير لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
يقول: ما هي الفتن التي ظهرت في الوقت الحالي، اذكرها جزاك الله خيراً؟
هذه أمور تدرك، هذه أمور تدرك، هذه الوسائل التي غزت البيوت، صار الناس يتساهلون بها شيئاً فشيئاً إلى أن استباحوا، إلى أن وصلوا بعضهم إلى حد الإباحية المطلقة، إلى حال البهيمية ويعرض في بيوت المسلمين من الشبهات والشهوات الشيء الذي انحرف بسببه كثير من العوام، عوام من خيار الناس فوق السبعين كانوا عمار مساجد، في روضات المساجد، والآن ما يصلون، هذه ما هي بفتن؟ هذه من أعظم الفتن، إن كنت لا تدركها أنت بنفسك تخشى على نفسك من مثل هذا، ويزين لك شياطين الإنس والجن، يوحون إليك أن هذه القنوات ذات حدين، وأنها فيها نفع، وفيها مشايخ وفيها علم الهرب، الهرب، وغيرها من الفتن، يعني كون الكفار يتسلطون على المسلمين وبعض المسلمين يشرع، وبعض العلماء يتكلم بكلام يرضي به بعض الأعداء، هذه فتن، يقتدى به من قبل عوام الناس، وحينئذ عليهم الوزر، ووزر من عمل به.
كيف نعرف فتن الشبهات وما موقفنا أمامها؟
إذا كنت لا تستطيع أن تميز، فلا يجوز لك أن تعرض نفسك لسماعها؛ لأنه يأتي أحياناً مناظرات بين سني وبدعي، بين سني ورافضي وإلا سني وإلا جهمي، وإلا، المقصود يأتي مناظرات ويأتي أطروحات، أطروحات في هذه القنوات فيقول الإنسان: من باب حب الاستطلاع ويمكن يقر في ذهنك شبهة لا تستطيع اجتثاثها، فأنت إذا كنت لا تستطيع أن تميز فلا يجوز لك أن تعرض نفسك لها.
يقول: هل علي -رضي الله عنه- عذب من غلو فيه بالنار؟ وما هو تعليقكم على ذلك؟
نعم، يقول -رضي الله عنه-:

لما رأيت الأمر أمراً منكراً***أججت ناري ودعوت قنبراً

ادعوا فيه الألوهية.
{أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}
[سورة العنكبوت:2]، يعني الإنسان ليس في مأمن، مهما بلغ في المنزلة من الفتن لا بد أن يعرض والفتن تعرض على القلوب كالحصير كما جاء في صحيح مسلم عوداً عوداً، لا بد أن تعرض، لكن من ثبته الله -جل وعلا- فهو سالم، وإلا فإنه يشرب مثل هذه الفتن وتَقر في قلبه حتى تغطيه.
يقول: ما رأيكم بما يوجد من فتنة الفتوى وتضاربها ووقوع الحرج عند الكثير بما يأخذ فما توجيه... إلى آخره؟
على كل حال الإنسان إن كان من أهل النظر فعليه العمل بالدليل، إن كان من أهل النظر والاجتهاد، ولا يسعه أن يقلد أحداً، وإن كان من العامة أو من أشباه العامة ممن لم يتأهل للنظر والاجتهاد، فإن عليه أن يقتدي بمن تبرأ الذمة بتقليده، ولا يتخبط ويتتبع الفتاوى التي توافق هواه، فإنه حينئذ يكون عبداً لهواه، وعليه أن ينظر في متبوعه، إن جمع بين العلم والدين والورع فهو أهل لأن يقتدى به،

وليس في فتواه مفت متبع ***ما لم يضف للعلم والدين الورع

قد يقول قائل: أنا والله لا أستطيع أن أميز أيهم أفضل، وأيهم أعلم وأيهم أورع، على كل حال الاستفاضة على ألسنة العلماء، وعلى ألسنة الأخيار كافية في مثل هذا، يعني إذا أثنى عليه أهل العلم المعروفون بالتحفظ والتثبت تكفي.
هل ما يوضع من آلات كهربائية لاصطياد الذباب من قَبيل الإحراق بالنار الذي هو من خصائص الله -جل وعلا-؟
على كل حال هي تخالف وتفارق النار التي هي ذات اللهب، وإن كان فيها شيء من الإحراق والصعق، لكن هذا الناموس المؤذي إذا لم يتحقق دفعه إلا بمثل هذه، فإنما آذى طبعاً جاز قتله شرعاً، وإذا لم يتمكن متمكن من وسيلة غيرها فلا مانع منها إن -شاء الله تعالى-.
يقول: ما الأشياء المستحب عملها في أوقات الفتن؟
ذكرنا بعض الأشياء ولعلها تكفي.
هل العزلة من المستحبات؟
وذكرنا أيضاً ما يتعلق بالعزلة ومتى ترجح، والخلطة ومتى ترجح.
يقول: هل تمرد الدنمركيين الأخباث على نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من الفتن، وكيف نتعامل معهم؟
نعم من الفتن، وينظر في الإنسان في المسلم ماذا يقدم؟ هل يجد في نفسه الهم نصرةً لدينه بأقل الأحوال، أو لا يهمه هذا الأمر، علماً بأن الإنسان إذا بذل ما يستطيعه فلا يظن أن هذا شر محض، فالكلام في عرضه -عليه الصلاة والسلام- في قصة الإفك جاء قول الله -جل وعلا-: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ}
[سورة النــور:11].
يقول: هل الواقع الذي نعيشه فتن كقطع الليل المظلم؟
يعني في بلدنا ما يظهر؛ لأن الحق واضح وله من ينصره وواضح في أمام الناس ومعلوم الحلال والحرام والمعروف من المنكر، فلم يأتي زمانه بالنسبة لبلادنا، وإن وجد في بعض الجهات وبعض الأقطار.
يقول: من المعلوم أن للإقبال على عبادة الله أثراً عظيماً في الخلاص من الفتن، فأي العبادات التي لها الأثر الأعظم في ذلك، وهل إخفاء الأعمال الصالحة سبب للخلاص من التعرض للفتن بعد رحمة الله؟
لا شك أن العبادات لها أثر، والعبادة في الهرج كما يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((كهجرة إلي)) والمخرج من الفتن كتاب الله، وهو من أشرف العبادات، ومن أشرف الأعمال؛ لأنه أفضل الأذكار، وجاء في الذكر من الشرف والفضل العظيم ما جاء نصوص الكتاب والسنة، فهذه لا شك أن لها أثر كبير في الحماية من الفتن.
يقول: وهل إخفاء الأعمال الصالحة سبب للخلاص من التعرض للفتن؟
هو سبب للإخلاص، من أسباب الإخلاص الذي هو شرط القبول، الذي هو شرط القبول، لكن يبقى أن أخفاء الأعمال قد يكون أفضل، وقد يكون إبرازها أفضل، إذا كان لا يخشى على عمله من رياء وأبرزها من أجل أن يقتدى به، من أجل أن يقتدى به، فلا شك أن أجره أعظم، ومن سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، يعني لو افترضنا أن مسجد ما يجلس فيه أحد بعد صلاة الصبح، ثم جلس، جلس الإمام لا شك أنه بعد مدة طالت أو قصرت سوف يجلس آخر، يقتدي به وينشط، ثم يجلس ثاني، وثالث، ورابع، وهكذا، فمثل هذا عمل ظاهر، ما يقول: أنا والله أروح للبيت وأخفي عملي، لا أحد، نعم جاء في الحديث وهو مصحح عند بعض العلماء: ((الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة، والمسر بالقرآن، كالمسر بالصدقة)) وهو يحتمل أنه يقرأ أمام الناس لكن لا يجهر، يقرأ بإخفات، ويحتمل أيضاً أن يسر به في بيته، وإذا حصل هذا وهذا شيء للاقتداء به، وشيء يحفظ به إخلاصه، جمع بين الأمرين فهو أفضل، وأكمل.
هذا يقول: التحدث عن الإنذارات التي تصل إلينا مثل انخفاض درجة الحرارة تحت الصفر، والبرد الشديد، وارتفاع الأسعار، ومقارنتها بالحرارة وانخفاض، إيش؟ والجو الجميل، يقول: ومقارنتها بجودة الحرارة وانخفاض الأسعار والجو الجميل في بلاد الغرب، هل هي اختبار من الله -جل وعلا- أم إنذارات؟
هي لا شك أنها بالنسبة لهم فتنة، ومكافئة لهم في الدنيا، عما يحصل من بعضهم من ما ظاهره أنه خير، حتى إذا وافوا يوم القيامة لم يبق لهم حسنة، وما يحصل في بلاد المسلمين لا شك أنها عقوبات فيما يفعلون، ويمحصون بها، ويمحص بعضهم على كل حال مثل هذه الإنذارات ووجود السعة والرخاء في بلاد الكفار، الدنيا جنة الكافر، سجن المؤمن وجنة الكافر، والدنيا كلها بحذافيرها غير مأسوف عليها، ولذلك الإنسان إنما خلق لتحقيق العبودية فقط، {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}
[سورة الذاريات:56]، لكن كيف تتحقق هذه العبودية؟ لا بد من الأخذ بأسباب تعين على بقاء النوع، ولذا جاء قوله -جل وعلا-: {وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا} [سورة القصص:77].
يقول: في الدعاء أو الحديث: ((والشر ليس إليك)) وفي القرآن، {وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا}
[سورة طـه:40]، {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [سورة الأنبياء:35].
القدر كله خيره وشره من الله -جل وعلا-، خيره وشره من الله -جل وعلا-، لكن من باب الأدب في الأسلوب في العبارة ما يضاف الشر إلى الله -جل وعلا-، ولذا جاء في قوله: {أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا}
[سورة الجن:10]، لما جاء الشر تحدث عن الشر تحدث عنه بصيغة المبني للمجهول، ولما جاء ذكر الخير الرشد أظهر الفاعل وهو الله -جل وعلا-، والكل من الله، لكن من باب التأدب في العبارة وفي الأسلوب، لا يضاف الشر إلى الله -جل وعلا-.
الإقامة بقي عليها شيء؟
طالب:....
هاه.
في مسائل عامة لا يمكن أن يجاب عنها من قبل فرد، بل هي مما تعم الأمة بكاملها، وهي عملية أيضاً، فيرجع فيها إلى الهيئات العلمية التي وكل إليها مثل هذا الأمر.
يقول: ما أفضل طريقة لضبط العلم، وما أفضل طريقة لتسجيل الفوائد في دروس العلم، وكيف؟
هذه أسئلة تتعلق بالعلم والطلب، ولنا في المسألة أشرطة كيف يحفظ، كيف يقرأ، والمنهجية في قراءة الكتب، وكيف يقدم في الأولويات، في المختصرات، في المطولات، في الشروح، في المتون، في الحواشي، كل هذا موجود ومسجل كله، ويحتاج بسطه إلى وقت.
كيف يحكم الشخص على إخلاصه؟
إذا كانت خلوته مثل جلوته، ما في أي فرق بينهما عنده، ونشاطه إلى العبادة في وقت ظهوره أمام الناس مثل نشاطه إذا خلا فهو هذا دليل على إخلاصه.
مقاطعة منتجات الدنماركية؟
لا شك أنها فيها نكاية لهم، وخسروا خسائر عظيمة، وليس بأيدينا مما نقاومهم به ونرد عليهم به إلا هذا، فهذا أقل ما يقدم.
يقول: هل اختلاف العلماء في الأحكام فهذا شيخ يحل المساهمة الفلانية، وهذا يحرم، هل تعتبر فتنة؟
لا شك أن الخلاف موجود في المسائل الفرعية موجود من عصر الصحابة، لكن العبرة بالصواب، القول الراجح، والعبرة بمن جمع شروط الفتوى، وليس كل واحد يمكن أن يقلد في فتواه.
يقول: هل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة هل تعتبر فتنة؟
فتنة في معناها الأعم، وهي اختبار الناس، الغني بغناه، والفقير بفقره، يشمل هذا كله.
يقول: حفظت القرآن قبل شهر ونيتي أن أراجع خمسة أجزاء يومياً، السؤال: متى يرسخ القرآن في ذهني، على أني حفظته في ثلاث سنوات؟
لا شك أنه مع المراجعة يثبت، مع المراجعة يثبت، ومع الإهمال ينسى، هو أشد تفلتاً من الإبل في عقرها، لكن مع المراجعة إذا خصصت قدر تستطيع مراجعته وتكرره يومياً لا شك أنك تضبطه ولا يتلفت عليك.
يقول: ما حكم الأناشيد التي ظهرت وكثرت وفيها ألحان تشبه الأغاني وما موقفنا منها؟
الأصل في النشيد أنه كلام شعر موزون مقفى، وألقي بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام-، مباح اللفظ، ما فيه ما يستنكر، وأدي على لحون العرب، أدي على لحون العرب، لا على لحون الأعاجم، وأهل الفسق، ولم يصد عما هو أهم منه؛ لأنه شعر، الشعر كلام، حسنه حسن، وقبيحه قبيح، فإذا لم يكن غالباً على غيره لأنه جاء في الحديث الصحيح: ((لئن يمتلأ جوف أحدكم قيحاً حتى يَرِيه خير له من أن يمتلأ شعراً)) فإذا أخذ منه بقدر مناسب، وسمعه بلحون العرب، وسلم من الآلات لا يجوز أن تصحبه آلة، وكان لفظه مباحاً فأنشد بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام-.
يقول: ما رأيك بخروج بعض العلماء في قنوات الفساد وإلقاء الدروس والمحاضرات فيها؟
حجتهم أنهم يوصلون العلم إلى الأماكن التي يصل إليها الشر من خلال هذه القنوات، وأنهم يستهدفون فئات لا يمكن حضورهم في المساجد، فهم يوصلون هذا الفضل إلى هذه القنوات، لكن هذه القنوات الموبوءة القذرة التي يستهزأ فيها أو من خلالها بالله وبدينه وبرسوله وتبث من خلالها السموم الشهوات والشبهات، لا شك أنها تجعل خروج مثل هذا العالم أو طالب العلم مبرر لاقتناء بعض الناس لهذه القناة، ولا شك أن درء المفاسد عند أهل العلم مقدم على جلب المصالح، أنت تسعى لإصلاح الناس، وترجو بذلك ثواب الله، وترتكب هذه المحظور وما عند الله لا ينال بسخطه.
يقول: هل الأفضل للإنسان الصمت أو السعي في الإصلاح إذا كان الشخص لا يظهر له رجحان المصلحة؟
لا، حينئذٍ يعتزل، إذا لم يظهر له رجحان فيعتزل، كما اعتزل سعد بن أبي وقاص ما حصل في أيام الصحابة، اعتزل وهو من العشرة المبشرين؛ لأنه لم يترج له شيء، وابن عمر كذلك.
يقول: نأمل الحديث عن فتنة التصاوير؟
لا شك أن التصاوير بجميع أشكالها وآلاتها كثرت وانتشرت وسرت بين المسلمين من غير نكير، كل هذا بسبب كثرة الإمساس واختلاف وجهة النظر، والبحث عن المخارج الذي وقع فيه الناس، قالوا: إنها عمت بها البلوى، فلا بد أن نوجد مخرج يخرجنا من النصوص الشديدة في حكم التصوير، ((وأشد الناس عذاباً المصورين))، ((يقال لأحدهم: أحيوا ما خلقتم))، هذه عظائم لكن مع ذلك تجد كثرتها، تجعل بعض الناس يجيب لها مخارج، فتجد التصوير الشمسي يقول: هذا ليس بتصوير، لا يمكن أن يدخل ضغط زر وتخرج هذه الصورة بهذه السرعة، ويكون من أشد الناس عذاباً، ما يمكن، يقول: ما تتصور هذا، نقول: أيضاً إذا ضغط زر المسدس بلحظة وقتل مسلم فوراً حصل له الوعيد الشديد {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا}
[سورة النساء:93]، يعني سهولة الأمر كلمة ينطق بها يهوي بها في النار سبعين خريفاً، فليس النظر إلى سهولة الأمر وعظمه، النظر في ما جاء فيه من نصوص، فهي الحكم، كون بعض الناس يقول: هذا تصوير أو ليس بتصوير، من أهل العلم، من أهل الفضل، من أهل الخير، من أهل الصلاح، كونه ارتكب هذا الأمر وصور، هذا الأمر إليه، والله المستعان.
الصور المجسمة التي يُجمع عليها أهل العلم الآن تتداول في بيوت المسلمين وفي محافلهم، وفي بلدانهم من دون نكير، على أنها لعب البنات، التي جاءت النصوص بها، وعائشة عندها لعب بنات، وعندها فرس له جناحان وهكذا، يعني اللي عمره ثلاثين، أربعين ما أدرك لعب البنات في ذلك الوقت في بلادنا، هي التي يتحدث عنها، تتحدث عنها النصوص وهي التي يشرحها أهل العلم، لعب البنات قالوا: وساد كبير في رأسه وساد صغير، وانتهى هذا كل لعب البنات، لكن تأتي بلعبة فاتنة مصورة بأدق تصوير، وتتحرك وتتصرف تصرف العقلاء، مضاهاة تامة لخلق الله، إذا أضجعت أغمضت عيناها، إذا أجلست فتحت، إذا صفق لها رقصت، هل هذه لعب البنات التي كانت عند عائشة؟ لا والله إن هذه هي المحرمة بالإجماع، وزاد الأمر فصار يستورد أحجام استغنى بها بعض الفساق؛ لأن هذا سببه الفتنة بمثل هذه الأمور، والسيئة تقول: أختي، أختي تجر إلى ما وراءها، والله المستعان.
يقول: ما أفضل طبعة لكتاب الراغب في المفردات مفردات القرآن؟
أفضل الطبعات لكن ما أظنها موجودة؛ لأنها ما صورت، طبعة محمد أحمد خلف الله، مطبوعة في مصر قبل أربعين سنة، أو خمسين، لكن طبعة الحلبي مجزئة لا بأس بها.
ما حكم جوال الكاميرا؟
الجوال هذا يمكن أن يصور به ما يجوز تصويره من غير ذوات الأرواح، ويمكن أن يصور به ذوات الأرواح، لكن الحصول على مثل هذه الآلات لا شك أنه يسهل هذه المعصية، ويجرئ الإنسان عليها، رأينا شباب خيار من أبعد الناس عن هذه الأمور، واقتنى هذا الجوال ثم بعد ذلك لا يجرؤ أن يصور نفسه؛ لأن التصوير حرام، لا يجرؤ أن يصور أباه أو أمه، أو أخاه، أو الشيخ الفلان، القريب أو المحب، ما، لا يجرؤ؛ لأنه ما زال التصوير عنده حرام، لكن يأتيه ولد طفل أو بنت ثم في المراحل الأولى تحبو، تنازعه نفسه، متى يتكرر عليك مثل هذا المنظر، هذا إن فاتك هذا فات، خلاص، لن يتكرر، ثم تبدأ، أو الولد يبدأ يمشي خطوة خطوتين ويعثر، هذا، نزاع عظيم في النفس، وبسببه تهاوى كثير من الشباب على التصوير؛ لأنهم بدءوا خلاص، صور........ إيش اللي يمنعك أنك تصور....... لأن هناك مواقف لا يملك الإنسان نفسه منها، يقول له الشيطان: خلاص ها الخطوتين خلاص لن تتكرر في حياتك، وأنت يمكن في يوم من الأيام تقتنع بالتصوير ثم تندم، وتعدى كثير من الناس وتخطى هذه المرحلة بسبب اقتناءه هذه الكاميرا، ولا شك أن تيسير الوسائل ييسر الغايات.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.